يجادل إيكو إرندا في هذا المقال التحليلي بأن أطروحة “دائرة النفوذ الواحدة” التي يطرحها مايكل بيكلي في مجلة فورين أفيرز تبدو، من منظور الشرق الأوسط، قاصرة تحليليًا وخطِرة معياريًا. يقرّ الكاتب بأن الولايات المتحدة تحتفظ بتفوّق مادي واضح يسمح لها بإسقاط القوة العسكرية والمالية والدبلوماسية عالميًا دون قيود تُذكر، لكنه يرى أن ترجمة هذا التفوق إلى مفهوم هيمنة أحادية لا تفسّر تعقيد الإقليم ولا تاريخه.
يوضح موقع ميدل إيست مونيتور أن المقال ينطلق من نقد فكرة تعدد الأقطاب بوصفها خطابًا مضللًا، لكنه يرفض في المقابل إعادة إحياء مفهوم “دائرة النفوذ” في منطقة تشكّلت حدودها السياسية أصلًا عبر تدخلات خارجية وترتيبات قسرية.
الشرق الأوسط وذاكرة التدخل الخارجي
يحمل مصطلح “دائرة النفوذ” في الشرق الأوسط حمولة تاريخية ثقيلة. يرسم الكاتب صورة لإقليم أُعيد تشكيله عبر الانتدابات الاستعمارية، وتحالفات الحرب الباردة، والحروب التي أعقبت 11 سبتمبر. في هذا السياق، لا يُنظر إلى إسقاط القوة الخارجية بوصفه حماية، بل قيدًا مفروضًا.
يستشهد المقال بفلسطين مثالًا صارخًا على اختلال البنية الدبلوماسية.
تكشف الحماية الأمريكية المتكررة لإسرائيل داخل مجلس الأمن، عبر استخدام حق النقض، كيف يصنع التفوق البنيوي واقعًا سياسيًا غير قابل للطعن. لا تتعلق المسألة بصواب القرارات أو خطئها، بل بالنمط المتكرر: حين تُقدَّم الهيمنة كأمر بنيوي حتمي، تُجرَّد السياسة من إمكانية المساءلة.
يؤكد الكاتب أن الحتمية غالبًا ما تخفي خيارًا سياسيًا، لا حقيقة لا مفر منها.
القوة لا تصنع نظامًا مشروعًا
يستعرض المقال البنية الأمنية الإقليمية بوصفها دليلًا إضافيًا على محدودية أطروحة الدائرة الواحدة. ينتشر الوجود العسكري الأمريكي من الأسطول الخامس في البحرين إلى القواعد الممتدة عبر الخليج، وتتشكل الشراكات الأمنية وفق هذا الحضور. غير أن عقودًا من الهيمنة العسكرية لم تُنتج استقرارًا دائمًا.
يشير الكاتب إلى تفكك العراق بعد 2003، وانهيار أفغانستان المؤسسي، واستمرار الكارثة الإنسانية في اليمن، باعتبارها شواهد على فجوة بين القدرة على إسقاط القوة والقدرة على بناء نظام سياسي شرعي. يوضح أن التفوق المادي لا يتحول تلقائيًا إلى قبول سياسي.
يميز المقال بين “الأسبقية” و“الهيمنة غير المتنازع عليها”. تقوم الهيمنة المستدامة، وفق هذا الطرح، على الشرعية والقبول، لا على التفوق العسكري وحده. ومع تآكل الشرعية، تتشظى السلطة حتى لو بقي التفوق قائمًا.
إقليم متعدد الاتجاهات لا مركز واحد
يرفض الكاتب تصوير الشرق الأوسط كحيّز خاضع لمجال نفوذ واحد. تسعى السعودية إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية في إطار رؤية 2030، وتوسّع تعاونها مع الصين. توازن الإمارات بين شراكاتها الأمنية الغربية واندماجها التجاري في آسيا وأفريقيا. تعمّق إيران علاقاتها مع الصين وروسيا لمواجهة العقوبات. وفي سوريا، يقيّد التنسيق العسكري الروسي أي تصور للهيمنة الحصرية.
لا تشير هذه التحركات إلى تراجع الدور الأمريكي، بل إلى سلوك تحوّطي داخل نظام عالمي شبكي. يتجلى النفوذ اليوم عبر البنية التحتية، والأسواق المالية، والطاقة، والمعايير التنظيمية، والتكنولوجيا الرقمية. يتداخل النفوذ الصيني والروسي والأوروبي والتركي ضمن شبكات متقاطعة، لا دوائر متراكزة حول مركز واحد.
يحذر المقال من البعد المعياري لأطروحة “الدائرة الواحدة”. حين يقتنع صانعو القرار بأن القوة الأمريكية بلا قيود بنيوية، يتولد إفراط في الثقة الاستراتيجية. شهد العراق وأفغانستان هذا المنطق حين افترضت الخطط قدرة القوة الخالصة على إعادة تشكيل مجتمعات معقدة.
حدود القوة شرط لاستدامتها
يؤكد الكاتب أن التحولات الداخلية في دول الشرق الأوسط—من ضغوط ديموجرافية وبطالة الشباب إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية—تلعب دورًا حاسمًا في إعادة توجيه السياسات. لا تختزل هذه المسارات في امتدادات لاستراتيجية أمريكية كبرى، بل تعكس مفاوضات داخلية حول الحكم والهوية والتنمية.
لا ينكر المقال استمرار الأسبقية الأمريكية: يظل الدولار محور النظام المالي، وتبقى القدرات اللوجستية العسكرية فريدة، وتوفر شبكة التحالفات نفوذًا واسعًا. لكنه يشدد على أن الاستدامة لا تعني الاحتكار.
يخلص المقال إلى أن الشرق الأوسط لا يشبه حقل جذب واحد، بل منطقة تقاطع متجهات متعددة. تُدار السيادة داخل هذه التقاطعات، لا عبر امتصاصها في دائرة نفوذ وحيدة. في إقليم مثقل بالذاكرة والانقسام، لا تصنع القوة المنفلتة استقرارًا، بل تصنعه القدرة على إدراك الحدود وبناء الشرعية.
https://www.middleeastmonitor.com/20260207-one-sphere-not-in-the-middle-east/

